الشيخ عبد الواحد محمد بن الطواح

52

سبك المقال لفك العقال

للمتأنسين قدوة ، وللمتقدمين « 1 » في حنادس « 2 » الغفلات جذوة ؛ فأردت جمع طائفة من أهل العرفان ممن يشار إليه بالبنان ممن حلّت عنه عقلته ، ووحّدته في حضرة القدس خلوته ، وجمعت من كلمهم ما يعرب عن شيمهم ؛ فكان هذا المجموع ، يشرق لألاؤه المعقول والمسموع ؛ فابتدرت إلى جمع ما تيسر لي وما تعذر ، وقد انطوى على سير غريبة ، وعبر عجيبة ، فيه للمستبصرين دراية ، وللمعتبرين عناية ورعاية « 3 » ، فلما أسفر صباحه ، وأزهر أقاحه ، لاحت حدائق أدبه موشية الجلباب ، وفاحت نواشق أربه مولية السحاب ؛ فتبسّم ثغر معانيه عن شنب مبسمه العذب ، وترنّم طير مبانيه على قضب مبسمه الرطب لا غرو أنه جمع لمّا برع ؛ وسطع لما لمع ؛ فجاء يزهى على الرياض غبّ المطر ، ويجلى على كرسي الأمل بفناء الوطر ، فجمع من العلم شوارد ، ومن التاريخ المستظرف فوائد ، ومن الأدب الغض عقيانا « 4 » وقلائد ، وسمّيته « سبك المقال لفك العقال » ومن اللّه أسأل التوفيق إلى سواء الطريق إنه ولي أهل التحقيق . فصل في معرفة العلم وشرفه « 5 » وأن شرف كل علم بحسب متعلقه ، ولما كان متعلق العلم الرباني ذات اللّه ؛ كان لذلك أشرف العلوم ، والعلم والمعرفة على السواء ، غير أن المحققين ذهبوا إلى أن العالم أخص بالعارف ، ومنهم من يرى أن المعرفة

--> ( 1 ) الكلمة ساقطة في ( ب ) . ( 2 ) الحنادس : الظلمات جمع حندس الظلمة أو الليلة الشديد الظلمة . والحنادس ؛ ثلاث ليال في آخر الشهر . ( 3 ) في ( أ ) ونهاية . ( 4 ) العقيان : ذهب متكائف في مناجمه ، خالص مما يختلط به من الرمال والحجارة . ( 5 ) من نافلة القول أن نذكر أنه ليس هناك دين من الأديان السماوية أو مذهب من المذاهب الإنسانية الأرضية ، عنى بالعلم ودعا إليه وجعله فريضة من فرائضه ، وكرم أهله مثل دين الإسلام الحنيف ، فقد دعت إلى ذلك بجلاء آيات القرآن الكريم ، والأحاديث الصحيحة من السنة النبوية المشرفة ، وحثت عليه أقوال العلماء الثقات وسيرهم ونهضت الحضارة الإسلامية طوال عصور ازدهارها وإشراقها ، شاهدا صحيحا وصريحا على أن تقدم الأمة إنما تم وكمل بالعلم الشريف ، راجع في ذلك . الجامع لبيان العلم وفضله لابن عبد البر ، إحياء علوم الدين للغزالي .